عرض مشاركة واحدة
قديم May-Tue-2010   #2
مراقب عام
 
الصورة الرمزية نواف بن ناحل

 











 

نواف بن ناحل غير متواجد حالياً

نواف بن ناحل will become famous soon enough

افتراضي

[hide]
قد مر بنا أن الأسطورة غالبا ما تنشأ من محاولة الرواة الشعبيين إضفاء تفسير حرفي على العناصر الفنية في القصيدة وعلى لغتها المجازية. ولو تأملنا أبيات القصيدة السابقة لوجدنا فيها ذكرا لركب يمر من الدهناء ويصادف في طريقه ظبية مختبأة في كناسها. ربما تكون هذه هي البذرة التي نبتت منها أسطورة التميمي مع إبنة الصائغ. ويورد الرواة هائية التميمي السالفة كشاهد على قصة انتحاره حينما حاول أهله الضغط عليه وإجباره على طلاق محبوبته. ويفسر بعض القصاصين الشطر الثاني من البيت الرابع والخمسين بقولهم إن ابن عبدالرحيم لما تزوج بنت الصائغ، وكانت صغيرة السن، حذرها من إفشاء سر زواجه منها. وفي إحدى المرات ذهبت البنت إلى بستان زوجها في غيابه لجني بعض الخضروات أو الفواكه فانتهرتها أخت زوجها، والتي لم تكن علمت بعد بزواج أخيها من الفتاة، فقالت الفتاة: أنا لم أسرق فهذا بستان زوجي. فعرفت الأخت بحقيقة الأمر وأخبرت أهلها بهذا السر الخطير مما أودى بحياة الشاعر. ولا نجد في القصيدة ذكرا للنقا الذي تقول القصة إن المطوع صعده ليكتب قصيدته قبل أن ينهي حياته. لكننا نجد إشارة لذلك في البيت الأخير من القصيدة اللامية التي نشرها سعود اليوسف والذي يقول:

شربت الحمام قضيت النحب // براس أبرقٍ نايفٍ معتلي

وفي قصيدة أخرى تنسب للشخصية نفسها يرد ذكر وشيقر مما يجعلنا نتساءل هل هو فعلا من أهالي وشيقر أم أن مجرد ورود الاسم في القصيدة كاف لينسبه الرواة إلى هذا المكان، كعادتهم في إعطاء المجازات الشعرية والاستعارات البلاغية تفسيرا حرفيا. والقصيدة تتفق في بحرها وقافيتها مع قصيدة لحميدان الشاعر ومع قصيدة ينسبها الرواة للشريف شكر بن هاشم، لذلك تتداخل أبيات هذه القصائد الثلاث مع بعضها البعض. وهذه الأبيات المنسوبة للتميمي:

01) ألى ياحماماتٍ بعالي وشيقر // وراكن فرقٍ والحمام ربوع

02) ألى ياحماماتٍ بليتن بنادر // حِرٍّ خطوفٍ صاطيٍ به جوع

03) وراكن ما تبكن خِلٍّ غدى لي // وتِهِلّن من أعيانكن دموع

04) ألى واسفا بالجازي ام محمد // فارقتها واثر الفراق يروع

05) حليّها بالوصف ياجاهلٍ بها // شحم الكلى بين اليدين يموع

06) بكيت عليها لين حرقت نواظري // ولا نيب من أمر الاله جزوع

07) ألى يامشيحينٍ بدنياكم ايقنوا // وراكم حصاصيدٍ تَحَصْد زروع

08) ترى ما يدٍ الا يد الله فوقها // ولا طايرات الا وهن وقوع

09) ولا ضحكٍ الا والبكا مردفٍ له // ولا شبعه الا مقتفيها جوع

10) فلا بد عقب الجوع لي من شباعه // ولا بد من عقب الشباعه جوع

11) ولا بد عقب الدهر من وابل الحيا // ومن بارقٍ يوضي سناه لموع

12) تمنيت لا حافاني الله بالمنى // إلى لي بواليد الحديد ظْلوع

13) يردن قلبٍ طار من مستكنه // قلبٍ على فرقى الخليل جزوع

وذكر الجازية أم محمد في القصيدة واتفاقها في البحر والقافية مع قصيدة ينسبها الرواة للشريف شكر بن هاشم يثير العديد من الأسئلة. وسبق أن أوردنا نصا لابن خلدون يذكر فيه أن من القصص التي يحتفي بها الهلاليون قصة الجازية، أخت حسن بن سرحان، التي يتزوجها الشريف ابن هاشم المدعو شكر بن أبي الفتوح وتنجب له غلاما اسمه محمد. ويورد ابن خلدون القصة كمثال على الأخبار المصنوعة التي لا يوثق بها تاريخيا. ولا يزال الرواة عندنا يتناقلون هذه القصة. ومما يزيد في حيرتنا ورود اسم شكر في قصيدة ثالثة منسوبة للتميمي تقول:

01) أبحت العزا ياشَكِر في راس مرقب // وجرّيت بالحانٍ علَيّ عْجاب

02) على مثل غصن الموز غَضٍّ شبابه // يقود الهوى بين اشفتين عذاب

03) بايعتها والسوق بيني وبينه // والبيع في بعض الأمور كْذاب

04) ولحقته إلى باب العطيفات ظاهر // إلينه غدى بين البيوت ذهاب

05) وهو باديٍ وانا مع الحضر قاعد // وطرد البوادي للحضور عذاب

06) فياليت زمل البدو يوم رحيله // تكون في ذاك النهار ذهاب

07) نطحني غِب السيل بالوادي الذي // إلى قلت أنحى في مسيله هاب

08) نشدته من يعزى عليه وقال لي // أنا من عقيلٍ ما علَيّ طلاب

09) وقفّى يخوض الما بخمصٍ نواعم // وساقين فيهن الحجول لباب

10) كشف عن ردوفٍ لكنهن // طعسين رملٍ علّهن سحاب

11) تبسّم عن عْذابٍ وغِرٍّ ذوابل // يردّن من عاف السفاه وتاب

12) واقول تقطيف الثمر من غصونه // يزيد الفتى ما دام فيه شباب

13) وانا اقول جنات ومن لا جنى الثمر // يخيب ومن لا ذاق جنيه خاب

14) ألى ياحمامات النجيمي وما حلى // غْناكن لولا ان الضمير مصاب

15) مصاب من عينٍ وخدٍّ ومبسم // وجيد ومجدول زهاه خضاب

16) وصلوا على خير البرايا محمد // عدد ما أضا برقٍ وهل سحاب

وهذه أبيات من القصيدة العينية التي يتداولها الرواة الشعبيون وينسبونها إلى الشريف شكر بن هاشم ويقولون إنه قالها يتحرق على فراق الجازية. وتصنيفه للبشر في القصيدة بين من يود رؤيتهم ومن لا يود رؤيتهم يذكرنا بقصيدة المهادي ومقارنته بين الأجواد والأنذال:

01) يقول الفتى شَكْر الشريف ابن هاشم // شوف الديار الخاليات يروع

02) نطّيت انا سندا سنودٍ من النيا // وهلّيت من حجر العيون دْموع

03) يا طقّت الوسطى بهامي تذكّرَت // عصرٍ مضى ما عاد فيه رجوع

04) ياماض لا دب الحيا في دياركم // ولا جاه من نجد العذيّ نجوع

05) نجوعٍ إلى وردوا عليكم تهضّموا // وان صدّروا ما وادعوك ودوع

06) زينين لى وردوا وشينين لى قفوا // يحطّون قلب العاشقين ولوع

07) نجوعٍ إلى جا صايحٍ يم اهلهم // يجونك حماقا لابسين دروع

08) من الناس ناسٍ ما أبالي ولو غدوا // وناسٍ إلى راحوا نهل دموع

09) ومن الناس نوّار الربيع إلى زهى // تضل البوادي في هواه نجوع

10) ومن الناس طلع التين حلوٍ مذاقه // إلى ذاقه الجيعان ظل هنوع

11) ومن الناس طلع الشري مِرٍّ مذاقه // إلى ذاقه الجيعان ظل يزوع

12) ألى ياحماماتٍ بوادي دِمْشِق // أراكن شتاتٍ والحمام جموع

13) هو ليه ما تبكن من فقد صاحبي // وتهلّن ياورق الحمام دموع

14) بليتن يافرق الحمام بنادر // من الجوّ مِهْذابٍ رمى به جوع

15) لكن عطيط الريش من حد مخلبه // كما حفّ زراعٍ يحف زروع

16) ألى يانخلات الغي في دار عامر // ياعل الحيا يسقي لكن فروع

17) ياطول ما نلقى بكن صاحبٍ لنا // صخيف الحشا طلق اللسان هلوع

18) صخيف الحشا ما بات بلشٍ من العشا // ولا بات قويانٍ بليلة جوع

19) تريّض يارهو العراق نقول لك // لعلك يارهو العراق سموع

20) تريّض يارهو الذي جا دليله // من الشام خفّاق الجناح لموع

21) يغاغي مغاغات الرضيع مع امه // وهن مخاضيعٍ بغير وقوع

22) يقول الفتى شكر الشريف ابن هاشم // ما طرب الا مقتفيه فجوع

23) ولا ضحكٍ الا والبكا مردف له // ولا شبعه الا مقتفيها جوع

24) ولا من يدٍ إلا يد الله فوقها // ولا طايرات الا وهن وقوع

25) ثمانين انا صافيت بيضا غريره // لكن ملاقى آفامهن شموع

26) خمسين مهضومات الاوساط رِجّح // يدسن الهوى في قلب كل ولوع

27) وثلاثين منهن تو ما بدا لهن // صغارٍ وتو اثمارهن طلوع

28) ولا عاضني بالجازي ام محمد // عليها ثياب الطيلسان لموع

29) هلاليّةٍ ما دقت العرن بالصفا // شحم الكلى بين اليدين يموع

30) يحرم علي اكل الثلاث كوامل // لو قيل فيهن الدوا ونفوع

31) منهن عيني كل ما نامت الملا // تهل وتملا الحاجرين دموع

32) ومنهن كبدي كل ما زامها الطنى // يعزى لها بعض المرار تفوع

33) ومنهن قلبي كل ما حل ذكره // يحاول ما بين الظلوع طلوع

34) وانا كما حرٍّ على الصيد عالم // حرٍّ ليا بار الزمان رثوع

35) العنك رجلٍ ما يصيبك الطنى // هذاك يحسب بالرجال رتوع

36) يا صار ما تبريه بمجاول السبا // ورمحٍ شطير وهنديٍّ لموع

37) يحرم علي سقاي ضيفي إلى بكى // لو هل بين الحاجرين دموع

38) ما اسقيه الا در حمرا سمينه // جذعيّةٍ وقت العتيم طيوع

39) وصلوا على خير البرايا محمد // عدد ما أضا برقٍ وكل اسبوع

وقصيدة الشريف شكر ترد في المصادر المخطوطة والشفهية بروايات مختلفة. والطريف أن بعض هذه الروايات يلحق بالقصيدة أبياتا يوضح فيها الشريف سبب شربه للدخان، ومعلوم أن شرب الدخان ظاهرة متأخرة نسبيا. وهذا مثال على مدى ما تتعرض له المادة الشعبية جراء الرواية الشفهية من تحوير وتغيير وعلى ميل الراوية الشعبي، بوعي منه أو بدون وعي، إلى تحديث المادة الشعبية لتتواءم مع معطيات العصر. تقول بعض الأبيات:

ياشاربين التتن لا تشربونه // قليل الحلا ويزاود الملقوع

شربته من وجلا الجازية ام محمد // غديه يبري علّته وشْنوع



د / سعد الصويان
[/hide]




التوقيع :

التعديل الأخير تم بواسطة مبارك ; Oct-Mon-2010 الساعة 07:49 PM.
    رد مع اقتباس